العلامة الأميني

280

النبي الأعظم من كتاب الغدير

أفخاذه وكاد أن يتلف ، ولم يفتأ يسومه سوء العذاب حتّى سالت نفسه في منفاه الأخير - الربذة - على غير ماء ولا كلأ ، يلفحه حرّ الهجير ، وليس له من وليّ حميم يمرّضه ، ولا أحد من قومه يواري جثمانه الطاهر ، مات رحمه اللّه وحده ، وسيحشر وحده كما أخبره رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الّذي خوّله بتلكم الفضائل ، واللّه سبحانه من فوقهما نعم الخصيم للمظلوم ، فانظر لمن الفلج « 1 » يومئذ . لقد كان الخليفة يباري الريح في العطاء لحامّته ومن ازدلف إليه ممّن يجري مجراهم ، فملكوا من عطاياه وسماحه الملايين ، وليس فيهم من يبلغ شأو أبي ذر في السوابق والفضائل ، ولا يشقّ له غبارا في أكرومة ، فماذا الّذي أخّر أبا ذر عنهم حتّى قطعوا عنه عطاءه الجاري ، ومنعوه الحظوة بشيء من الدعة ، وأجفلوه عن عقر داره وجوار النبيّ الأعظم ، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ؟ ! ولماذا نودي عليه في الشام ألايجالسه أحد « 2 » ؟ ! ولماذا يفرّ الناس منه في المدينة ؟ ! ولماذا حظر عثمان على الناس أن يقاعدوه ويكلّموه ؟ ! ولماذا يمنع الخليفة عن تشييعه ويأمر مروان ألايدع أحدا يكلّمه ؟ ! نعم ، إنّ أبا ذر ينقم ما كان مطّردا عند ذاك من السرف في العطاء من دون أيّ كفاءة في المعطى ، ومخالفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في ذلك وفي كلّ ما يخالف السنّة الشريفة ، واضطهاد أهل السوابق من الأمّة بيد امراء البيت الامويّ رجال العيث والعبث ؛ وكانوا يحسبون عرش ذلك اليوم قد استقرّ على تلكم الأعمال ؛ فرأوا أنّ في الإصاخة إلى قيل أبي ذر وشاكلته من صلحاء الصحابة تزحزحا لذلك العرش عن مستقرّه ، أو أنّ مهملجة الجشع الّذين حصّلوا على تلكم الثروات الطائلة خافوه أن يسلب ما في أيديهم

--> ( 1 ) - [ « الفلج » : الظفر والفوز ] . ( 2 ) - أخرجه ابن سعد في الطبقات 4 : 168 [ 4 / 229 ] .